فصل: الباب الأول في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع وفي نية السفر وفائدته

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحياء علوم الدين **


وأما آداب العزلة

فلا تطول فينبغي للمعتزل أن ينوي بعزلته كف شر نفسه عن الناس أولا ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة الله رابعا فهذه آداب نيته‏.‏

ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل والذكر والفكر ليجتني ثمرة العزلة وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته فيشوش أكثر وقته‏.‏

وليكف عن السؤال عن أخبارهم وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد وما الناس مشغولون به فإن كل ذلك ينغرس في قلب حتى ينبعث في

أثناء الصلاة أو الفكر من حيث لا يحتسب فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض فلا بد أن ينبت وتتفرع عروقه وأغصانه ويتداعى بعضها إلى بعض‏.‏

وأحد مهمات المعتزل قطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله‏.‏

والأخبار ينابيع الوساوس وأصولها‏.‏

وليقنع باليسير من المعيشة وإلا اضطره التوسع إلى الناس واحتاج إلى مخالطتهم‏.‏

وليكن صبورا عل ما يلقاه من أذى الجيران وليسد سمعه عن الإصغاء إلى ما يقال فيه من ثناء عليه بالعزلة أو قدح فيه بترك الخلطة فإن كل ذلك يؤثر في القلب ولو مدة يسيرة وحال اشتغال القلب به لابد أن يكون واقفا عن سيره إلى الطريق الآخرة فإن السير إما بالمواظبة على ورد وذكر مع حضور قلب وإما بالفكر في جلال الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأرضه وإما بالتأمل في دقائق الأعمال ومفسدات القلوب وطلب طرق التحصن منها‏.‏

وكل ذلك يستدعي الفراغ والإصغاء إلى جميع ذلك مما يشوش القلب في الحال‏.‏

وقد يتجدد ذكره في دوام الذكر من حيث لا ينتظر‏.‏

وليكن له أهل صالحة أو جليس صالح لتستريح نفسه إليه في اليوم ساعة من كد المواظبة ففيه عون على بقية الساعات‏.‏

ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا وما الناس منهمكون فيه ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل بأن لا يقدر لنفسه عمرا طويلا بل يصبح على أنه لا يمسي ويمسي على أنه لا يصبح فيسهل عليه الصبر يوم ولا يسهل عليه العزم على الصبر عشرين سنة لو قدر تراخى الأجل‏.‏

وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه من الوحدة‏.‏

وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به فلا يطيق وحشه الوحدة بعد الموت‏.‏

وأن من أنس بذكر الله ومعرفته فلا يزيل الموت أنسه إذ لا يهدم الموت محل الأنس والمعرفة بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه فرحا بفضل الله عليه ورحمته كما قال الله تعالى في الشهداء ‏"‏ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ‏"‏ وكل متجرد الله في جهاد نفسه فهو شهيد مهما أدركه الموت مقبلا غير مدبر ‏"‏ فالمجاهد من جاهد نفسه وهواه ‏"‏ وكما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والجهاد الأكبر جهاد النفس كما قال بعض الصحابة رضي الله عنهم‏:‏ رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يعنون جهاد النفس‏.‏

تم كتاب العزلة ويتلوه‏:‏ كتاب آداب السفر والحمد لله وحده ‏.‏

كتاب آداب السفر

وهو الكتاب السابع من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي فتح بصائر أوليائه بالحكم والعبر واستخلص همهم لمشاهدة عجائب صنعه في الحضر والسفر فأصبحوا راضين بمجاري القدر منزهين قلوبهم عن التلفت إلى متنزهات البصر إلا على سبيل الاعتبار بما يسبح في مسارح النظر ومجاري الفكر فاستوى عندهم البر والبحر والسهل والوعر والبدو والحضر‏.‏

والصلاة على محمد سيد البشر وعلي وصحبه المقتفين لآثاره في الأخلاق والسير وسلم كثيرا‏.‏

أما بعد فإن السفر وسيلة إلى الخلاص عن مهروب عنه أو الوصول إلى مطلوب ومرغوب فيه‏.‏

والسفر سفران‏:‏ سفر بظاهر البدن عن المستقر والوطن إلى الصحارى والفلوات وسفر بسير القلب عن أسفل السافلين إلى ملكوت السموات‏.‏

وأشرف السفرين السفر الباطل‏.‏

فإن الواقف على الحالة التي نشأ عليها عقيب الولادة الجامد على ما تلقفه بالتقليد من الآباء والأجداد لازم درجة القصور وقانع بمرتبة النقص ومستبدل بمتسع فضاء ‏"‏ جنة عرضها السموات والأرض ‏"‏ ظلمة السجن وضيق الحبس ولقد صدق القائل‏:‏ ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام إلا أن هذا السفر لما كان مقتحمه في خطب خطير لم يستغن فيه عن دليل وغفير فاقتضى غموض السبيل وفقد الخفير والدليل وقناعة السالكين عن الحظ الجزيل بالنصيب النازل القليل اندرس مسالكه‏.‏

فانقطع فيه الرفاق وخلا عن الطائفين متنزهات الأنفس والملكوت والآفاق‏.‏

وإليه دعا الله سبحانه بقوله ‏"‏ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ‏"‏ وبقوله تعالى ‏"‏ وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ‏"‏ وعلى القعود عن هذا السفر وقع الإنكار بقوله تعالى ‏"‏ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ‏"‏ وبقوله سبحانه ‏"‏ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ‏"‏ فمن يسر له هذا السفر لم يزل في سيره متنزها في جنة عرضها السموات والأرض وهو ساكن بالبدن مستقر في الوطن‏.‏

وهو السفر الذي لا تضيق فيه المناهل والموارد ولا يضر فيه التزاحم والتوارد بل تزيد بكثرة المسافرين غنائمه وتتضاعف ثمراته وفوائده فغنائمه دائمة غير ممنوعة وثمراته متزايدة غير مقطوعة إلا إذا بدا للمسافر فترة في سفره ووقفة في حركته فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا زاغوا أزاغ الله قلوبهم وما الله بظلام للعبيد ولكنهم يظلمون أنفسهم ومن لم يؤهل للجولان في هذا الميدان والتطواف في متنزهات هذا البستان ربما سافر بظاهر بدنه في مدة مديدة فراسخ معدودة مغتنما بها تجارة للدنيا أو ذخيرة للآخرة فإن كان مطلبه العلم والدين أو الكفاية للاستعانة على الدين كان من سالكي سبيل الآخرة وكان له في سفره شروط وآداب إن أهملها كان من عمال الدنيا وأتباع الشيطان وإن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه بعمال الآخرة ونحن نذكر آدابه وشروطه في بابين إن شاء الله تعالى‏.‏

الباب الأول في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع وفي نية السفر وفائدته وفيه فصلان‏.‏

الباب الثاني فيما لابد للمسافر

من تعلمه من رخص السفر وأدلة القبلة والأوقات‏.‏

الباب الأول في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع وفي نية السفر وفائدته

وفيه فصلان‏:‏ الفصل الأول في فوائد السفر وفضله ونيته اعلم أن السفر نوع حركة ومخالطة وفيه فوائد وله آفات - كما ذكرناه في كتاب الصحبة والعزلة‏.‏

والفوائد الباعثة على السفر لا تخلو من هرب أو طلب‏.‏

فإن المسافر إما أن يكون له مزعج عن مقامه ولولاه لما كان له مقصد يسافر إليه وإما أن يكون له مقصد ومطلب‏.‏

والمهروب عنه إما أمر له نكاية في الأمور الدنيوية‏.‏

كالطاعون والوباء إذا ظهر ببلد أو خوف سببه فتنة أو خصومة أو غلاء سعر‏.‏

وهو إما عام كما ذكرناه أو خاص كمن يقصد بأذية في بلدة فيهرب منها وإما أمر له نكاية في الدين كمن ابتلى في بلده بجاه ومال واتسع أسباب تصده عن التجرد لله فيؤثر الغربة والخمول ويجتنب السعة والجاه أو كمن يدعى إلى بدعة قهرا أو إلى ولاية عمل لا تحل مباشرته فيطلب الفرار منه‏.‏

وأما المطلوب فهو إما دنيوي كالمال والجاه أو ديني والديني إما علم وإما عمل‏.‏

والعلم إما علم من العلوم الدينية وإما علم بأخلاق نفسه وصفاته على سبيل التجربة وأما علم بآيات الأرض وعجائبها كسفر ذي القرنين وطوافه في نواحي الأرض‏.‏

والعمل إما عبادة وإما زيارة‏.‏

والعبادة هو الحج والعمرة والجهاد‏.‏

والزيارة أيضا من القربات وقد يقصد بها مكان كمكة والمدينة وبيت المقدس‏.‏

والثغور فإن الرباط بها قربة‏.‏

وقد يقصد بها الأولياء والعلماء وهم إما موتى فتزار قبورهم وإما أحياء فيتبرك بمشاهدتهم ويستفاد من النظر إلى أحوالهم قوة الرغبة في الإقتداء بهم‏.‏

فهذه هي أقسام الأسفار ويخرج من هذه القسمة أقسام‏:‏

القسم الأول‏:‏ السفر في طلب العلم

وهو إما واجب وإما نفل وذلك بحسب كون العلم واجبا أو نفلا‏.‏

وذلك العلم إما علم بأمور دينه أو بأخلاقه في نفسه أو بآيات الله في أرضه‏.‏

وقد قال عليه السلام ‏"‏ من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ‏"‏ وفي خبر آخر ‏"‏ من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ‏"‏ وكان سعيد ابن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد‏.‏

وقال الشعبى‏:‏ لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمه تدله على هدى أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا‏.‏

ورحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى مصر مع عشرة من الصحابة فساروا شهرا في حديث بلغهم عن عبد الله أنيس الأنصاري يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعوه وكل مذكور في العلم محصل له - من زمان الصحابة إلى زماننا هذا - لم يحصل العلم إلا بالسفر وسافر لأجله وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك أيضا منهم فإن طريق الآخرة لا يمكن سلوكها إلا بتحسين الخلق وتهذيبه‏:‏ ومن لا يطلع على أسرار باطنه وخبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها‏.‏

وإنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال وبه يخرج الله الخبء في السموات والأرض وإنما سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق‏:‏ ولذلك قال عمر رضى الله عنه للذي زكى عنده بعض الشهود‏:‏ هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم أخلاقه‏:‏ لا فقال‏:‏ ما أراك تعرفه وكان بشر يقول‏:‏ يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب وإذا طال مقامه في موضع تغير‏.‏

وبالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاسئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة فإذا حملت وعناء السفر وصرفت عن مألوفاتها المعادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها‏.‏

وقد ذكرنا في كتاب العزلة وأما آيات الله في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ففيها قطع متجاورات وفيها الجبال والبراري والبحار وأنواع الحيوان والنبات وما من شئ منها إلا وهو شاهد لله بالوحدانية ومسبح له بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد‏.‏

وأما الجاحدون والغافلون والمغترون بلامع السراب من زهرة الدنيا فإنهم لا يبصرون ولا يسمعون لأنهم عن السمع معزولون وعن آيات ربهم محجوبون ‏"‏ يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ‏"‏ وما أريد بالسمع السمع الظاهر - فإن الذين أريدوا به ما كانوا معزولين عنه - وإنما أريد به السمع الباطن ولا يدرك بالسمع الظاهر إلا الأصوات‏.‏

ويشارك الإنسان فيه سائر الحيوانات‏.‏

فأما السمع الباطن فيدرك به لسان الحال الذي هو نطق وراء نطق الممال يشبه قول القائل - حكاية لكلام الوتد والحائط - قال الجدار للوتد‏:‏ لم تشقني فقال‏:‏ سل من يدقنى ولم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي‏.‏

وما من ذرة في السموات والأرض إلا ولها أنواع شاهدات لله تعالى بالوحدانية هي توحيدها وأنواع شاهدات لصانعها بالتقدس هي تسبيحها ولكن لا يفقهون تسبيحها - لأنهم لم يسافروا من مضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن ومن ركاكة لسان المقال إلى فصاحة لسان الحال - ولو قدر كل عاجز على مثل هذا السير لما كان سليمان عليه السلام مختصا بفهم منطق الطير ولما كان موسى عليه السلام مختصا بسماع كلام الله تعالى الذي يجب تقديسه عن مشابهة الحروف والأصوات‏.‏

ومن يسافر ليستقرئ هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهية على صفحات الجمادات لم يطل سفره بالبدن بل يستقر في موضع ويفرغ قلبه للتمتع بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات فماله وللتردد في الفلوات وله غنية في ملكوت السموات فالشمس والقمر والنجوم بأمره مسخرات‏.‏

وهي إلى أبصار ذوى البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرات بل هي دائبة في الحركة على توالى الأوقات‏.‏

فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد من أمرت الكعبة أن تطوف به ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض من يطوف به أقطار السماء‏.‏

ثم مادام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر فهو بعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله والمسافرين إلى حضرته وكأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء ولا سبب لطول المقام في هذا المنزل إلا الجبن والقصور‏.‏

ولذلك قال بعض أرباب القلوب‏:‏ إن الناس ليقولون افتحوا أعينكم حتى تبصروا وأنا أقول‏:‏ غمضوا أعينكم حتى تبصروا

وكل واحد من القولين حق إلا أن الأول خبر عن المنزل الأول القريب من الوطن والثاني خبر عما بعده من المنازل البعيدة عن الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه والمجاوز إليها ربما يتيه فيها سنين وربما يأخذه التوفيق بيده فيرشده الى سواء السبيل والهالكون في التيه هم الأكثرون من ركاب هذه الطريق ولكن السائحون بنور التوفيق فازوا بالنعيم والملك المقيم وهم الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى واعتبر هذا الملك بملك الدنيا فإنه يقل بالإضافة الى كثرة الخلق طلابه ومهما عظم المطلوب قل المساعد‏.‏

ثم الذي يهلك أكثر من الذي يملك‏.‏

ولا يتصدى لطلب الملك العاجز

الجبان لعظيم الخطر وطول التعب‏:‏ وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام وما أودع اللّه العز والملك في الدين والدنيا إلا في حين الخطر‏.‏

وقد يسمى الجبان الجبن والقصور باسم الحزم و الحذر كما قيل‏:‏ ترى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم فهذا حكم السفر الظاهر إذا أريد به السفر الباطن بمطالعة آيات اللّه في الأرض‏.‏

فلنرجع الى الغرض الذي كنا نقصده ولنبين

القسم الثاني‏:‏ وهو أن يسافر لأجل العبادة

إما لحج أو جهاد وقد ذكرنا فضل ذلك وآدابه وأعماله الظاهرة والباطنة في كتاب أسرار الحج ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته‏.‏

ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله عليه السلام ‏"‏ لا تشد الرحال إلا الى ثلاثة مساجد‏:‏ مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ‏"‏ لأن ذلك في المساجد فغنها متماثلة بعد هذه المساجد وإلا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه‏.‏

وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات‏.‏

والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء وبركة النظر إليهم فإن النظر الى وجوه العلماء والصلحاء عبادة‏.‏

وفيه أيضاً حركة للرغبة في الإقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وآدابهم هذا سوى اما ينتظر من الفوائد العلمية المسفادة من أنفاسهم وأفعالهم كيف ومجرد زيارة الأخوان في اللّه فيه فضل كما ذكرناه في كتاب الصحبة‏.‏

وفي التوراة‏:‏ سر أربعة أميال زر أخاً في اللّه‏.‏

وأما البقاع فلا معنى لزيارتها سوى

المساجد الثلاثة وسوى الثغور للرباط بها فالحديث ظاهر في أنه لا تشد الرحال لطلب بركة إلا الى المساجد الثلاثة‏.‏

وقد ذكرنا فضائل الحرمين في كتاب الحج‏.‏

وبيت المقدس له فضل كبير‏.‏

خرج ابن عمر من المدينة قاصداً بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوات الخمس ثم كر راجعاً من الغد الى المدينة‏.‏

وقد سأل سليمان عليه السلام ربه عز وجل‏:‏ أن من قصد هذا المسجد لايعنيه إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيماً فيه

حتى يخرج منه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه اللّه ذلك‏.‏

القسم الثالث‏:‏ أن يكون السفر للهرب من سبب مشوّش الدين

وذلك أيضاً حسن فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين‏.‏

ومما يجب الهرب منه الولاية والجاه وكثرة العلائق والأسباب فإن كل ذلك يشوش فراغ القلب والدين لا يتم إلا بقلب فارغ عن غير اللّه فإن لم يتم فراغه فلا يتصور أن يشتغل بالدين‏.‏

ولا يتصور فراغ القلب في الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية ولكن يتصور تخفيفها وتثقيلها وقد نجا المخفون وهلك المثقلون‏.‏

والحمد للّه الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار والأعباء بل قبل المخف بفضله وشمله بسعة رحمته‏.‏

والمخف هو الذي ليست الدنيا أكبر همه وذلك لا يتيسر في الوطن امن اتسع جاهه وكثرت علائقه فلا يتم مقصوده إلا بالغربة والخمول وقطع العلاقات التي لا بد عنها حتى يروض نفسه مدة مديدة‏.‏

ثم ربما يمد اللّه بمعونته فينعم عليه بما يقوي به يقينه ويطمئن به قلبه فيستوي عنده الحضر والسفر ويتقارب عنده وجود الأسباب والعلائق وعدمها فلا يصدّه شئ منها عما هو بصدده من ذكر اللّه وذلك مما يعز وجوده جداً بل الغالب على القلوب الضعف والقصور عن الاتساع للخلق والخالق وإنما يسعد بهذه القوة الأنبياء والأولياء والوصول اليها بالكسب شديد وإن كان للاجتهاد والكسب فيها مدخل أيضاً‏.‏

ومثال تفاوت القوة الباطنة فيه كتفاوت القوّة الظاهرة في الأعضاء فرب رجل ذو قوى ذى مرة سوى شديد الأعصاب محكم البنية يستقل بحمل ما وزنه ألف رطل مثلا فلو أراد الضعيف المريض أن ينال رتبته بممارسة الحمل والتدريج فيه قليلاً قليلاً لم يقدر عليه ولكن المممارسة والجهد يزيد في قوته زيادة ما وإن كان ذلك لا يبلغه درجته فلا ينبغي أن يترك الجهد عند اليأس عن الرتبة العليا فإن ذلك غاية الجهل ونهاية الضلال‏.‏

وقد كان من عادة السلف رضي اللّه عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن‏.‏

وقال سفيان الثوري‏:‏ هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل فكيف على المشتهرين هذا زمان رجل ينتقل من بلد الى بلد كلما عرف في موضع تحول الى غيره‏.‏

وقال أبو نعيم‏:‏ رأيت سفيان الثوري وقد علق قلته بيده ووضع جرابه على ظهره فقلت‏:‏ الى أين يا أبا عبد اللّه قال‏:‏ بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها فقلت له‏:‏ وتفعل هذا قال‏:‏ نعم إذا بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فإنه أسلم لدينك وأقل لهمك وهذا هرب من غلاء السعر‏.‏

وكان سرى السقطي يقول للصوفية‏:‏ إذا خرج الشتاء فقد خرج أذار وأورقت

الأشجار وطاب الإنتشار فانتشروا‏.‏

وقد كان الخوّاص لايقيم ببلد أكثر من أربعين يوماً‏.‏

وكان من المتوكلين ويرى الإقامة اعتماداً على الأسباب قادحا في التوكل‏.‏

وسيأتي أسرار الإعتماد على الأسباب في كتاب التوكل إن شاء اللّه تعالى‏.‏

القسم الرابع‏:‏ السفر هرباً مما يقدح في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء السعر أو ما يجري مجراه

ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع وربما يستحب في بعض بحسب وجوب ما يتريب عليه من الفوائد واستحبابه ولكن يستثنى منه الطاعون فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه‏.‏

قال أسامة بن زيد‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ إن هذا الوجع - أو الشقم - رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بفي بعد في الأرض منه ‏"‏ وقالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ إ ن فناء أمتي بالطعن والطاعون فقلت‏:‏ هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال‏:‏ غدة كعدة البعير تأخذهم في مراقهم المسلم الميت منه شهيد والمقيم عليه المحتسب كالمرابط في سبيل اللّه والفارّ منه كالفارّ من الزحف ‏"‏ وعن مكحول عن أم أيمن قالت‏:‏ أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض أصحابه لا تشرك باللّه شيئاً وإن عذبت أو حرقت وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كل شئ هو لك فاخرج منه‏.‏

ولا تترك الصلاة عمداً فإن من ترك الصلاة عمداً فقد برئت ذمة اللّه منه وإياك والخمر فإنها مفتاح كل شر‏:‏ وإياك والمعصية فإنها تسخط اللّه ولا تفرّ من الزحف وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت فيهم أنفق من طولك على أهل بيتك ولا ترفع عصاك عنهم أخفهم باللّه ‏"‏ فهذه الأحاديث تدل على أن الفرار من الطاعون منهي عنه وكذلك القدوم عليه‏.‏

وسيأتي شرح ذلك في كتاب التوكل‏.‏

فهذه أقسام الأسفار وقد خرج منه أن السفر ينقسم الى مذموم والى محمود والى مباح‏.‏

والمذموم ينقسم الى حرام كإباق العبد وسفر العاق والى مكروه كالخروج من بلد الطاعون‏.‏

والمحمود ينقسم الى واجب كالحج وطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم والى مندوب اليه كزيارة العلماء وزيارة مشاهدهم‏.‏

ومن هذه الأسباب تتبين النية في السفر فإن معنى النية الانبعاث لسبب الباعث والانتهاض لاجابة الداعية‏.‏

ولتكن نيته الآخرة في جميع أسفاره وذلك ظاهر في الواجب والمندوب ومحال في المكروه والمحظور‏.‏

وأما المباح فمرجعه الى النية‏.‏

فمهما كان قصده بطلب المال مثلاً التعفف عن السؤال ورعاية ستر الموءة على الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة‏.‏

ولو خرج الى الحج وباعثه الرياء والسمعة لخرج عن كونه من أعمال الآخرة لقوله صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ إنما الأعمال بالنيات ‏"‏ فقوله صلى اللّه عليه وسلم الأعمال بالنيات عام في الواجبات والمندوبات والمباحات دون المحظورات فإن النية لا تؤثر في إخراجها عن كونها من المحظورات‏:‏ وقد قال بعض السلف‏:‏ إن اللّه تعالى قد وكل بالمسافرين ملائكة ينظرون الى مقاصدهم فيعطي كل واحد على قدر نيته‏.‏

فمن كانت نيته الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر بالحرص والرغبة شغله‏.‏

ومن كانت نيته الآخرة أعطي من البصيرة والحكمة والفطنة وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته وجمع له همه ودعت له الملائكة وأما النظر في أن السفر هو الأفضل أو الإقامة فذلك يضاهي النظر في أن الأفضل هو العزلة أو المخالطة وقد ذكر مناهجه في كتاب العزلة فليفهم هذا منه فإن السفر نوع مخالطة مع زيادة تعب ومشقة وتفرق الهم وتشتت القلب في حق الأكثرين‏.‏

والأفضل في هذا ما هو الأعون على

الدين‏:‏ ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة اللّه تعالى وتحصيل الأنس بذكر اللّه تعالى والأنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر‏.‏

ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما‏.‏

والسفر هو المعين على التعلم في الإبتداء‏.‏

والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء‏.‏

وأما السياحة في الأرض على الدوا فمن المشوشات للقلب إلا في حق الأقوياء فإن المسافر وماله لعلى قلق إلا ما وقى اللّه فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه وماله وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده في إقامته‏.‏

وإن لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف الى الخلق فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع‏.‏

ثم الشغل بالحط والترحال مشوش لجميع الأحوال فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته وتستفاد الرغبة في الخير من مشاهدته فان اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر أوالعمل فالسكون أولى به إلا أن أكثر متصوفة هذا الأعصار - لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس باللّه تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا باطلين غير محترفين ولا مشغولين - قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد واستسخروا الخدم المنتصبين لللقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم‏:‏ من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللاً بكثرة الأتباع فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم ناقد ولا تأديب للمريد بن نافع ولا حجر عليهم قاهر فبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات متنزهات وربما تلقفوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامات فينظرون الى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم فيظنون بأنفسهم خيراً ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ويتوهمون أن المشاركة في الظاهر توجب المساهمة في الحقائق وهيهات‏!‏ فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم فهؤلاء بغضاء اللّه فإن اللّه تعالى يبغض الشاب الفارغ‏.‏

ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن‏.‏

والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوف فإنه قد انمحق بالكلية وبطل لأن العلوم لم تندرس بعد والعالم إن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه فيبقى عالماً غير عامل بعلمه والعمل غير العلم‏.‏

وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب للّه تعالى واستحقار ما سوى اللّه‏.‏

وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح‏.‏

ومهما فسد العمل فات الأصل‏.‏

وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء من حيث أنه إتعاب للنفس بلا فائدة وقد يقال إن ذلك ممنوع‏.‏

ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة فإن حظوظهم التفرج عن كرب البطالة بمشاهدة البلاد المختلفة وهذه الحظوظ وإن كانت خسيسة فنفوس المتحركين لهذه الحظوظ أيضاً خسيسة‏.‏

ولا بأس بإتعاب

حيوان خسيس لحظ خسيس يليق به ويعود إليه فهو المتأذي والمتلذذ‏.‏

والفتوى تقتضي تشتيت العوام في المباحات التي لا نفع فيها ولا ضرر‏:‏ فالسابحون في غير مهم في الدين والدنيا بل لمحض التفرج في البلاد كالبهائم المترددة في الصحارى فلا بأس بسياحتهم ما كفوا عن الناس شرهم ولم يلبسوا على الخلق حالهم وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على اسم التصوف والأكل من الأوقاف التي وقفت على الصوفية لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عدل في دينه مع صفات أخر وراء الصلاح‏.‏

ومن أقل صفات أحوال هؤلاء أكلهم أموال السلاطين وأكل الحرام من الكبائر فلا تبقى معه العدالة والصلاح ولو تصور صوفي فاسق لتصور صوفي كافر وفقيه يهودي‏.‏

وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص لا يقتصر في دينه على القدر الذي يحصل به العدالة‏.‏

وكذلك من نظر الى ظواهرهم ولم يعرف بواطنهم وأعطاهم من

ماله على سبيل التقرب الى اللّه تعالى حرم عليهم الأخذ وكان ما أكلوه سحتاً وأعني به إذا كان المعطي بحيث لو عرف بواطن أحوالهم ما أعطاهم‏:‏ فأخذ المال بإظهار التصوف من غير اتصاف بحقيقتهكأخذه بإظهار نسب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على سبيل الدعوى ومن زعم أنه علوى وهو كاذب وأعطاه مسلم ملا لحبه أهل البيت ولو علم أنه كاذب لم يعطه شيئاً فأخذه على ذلك حرام وكذلك الصوفي‏.‏

ولهذا احترز المحتاطون عن الأكل بالدين فإن المبالغ في الاحتياط لدينه لا ينفك في باطنه عن عورات لو انكشفت للراغب في مواساته لفترت رغبته عن المواساة‏.‏

فلا جرم كانوا لا يشترون شيئاً بأنفسهم مخافة أن يسامحوا لأجل دينهم فيكونوا قد أكلوا بالدين‏.‏

وكانوا يوكلون من يشتري لهم ويشترطون على الوكيل أن لا يظهر أنه لمن يشتري‏.‏

نعم إنما يحل أخذ ما يعطي لأجل الدين إذا كان الأخذ بحيث لو علم المعطي من باطنه ما يعلمه اللّه تعالى لم يقتض ذلك فتورا في رأيه فيه والعاقل المنصف يعلم من نفسه أن ذلك ممتنع أو عزيز والمغرور الجاهل بنفسه أحرى بأن يكون جاهلا بأمر دينه‏:‏ فإن أقرب الأشياء الى قالبه قلبه فإذا التبس عليه أمر قلبه فكيف ينكشف له غيره ومن عرف هذه الحقيقة لزمه لا محالة أن لا يأكل إلا من كسبه ليأمن هذه الغائلة أو لا يأكل إلا من مال من يعلم قطعاً أنه لو انكشف له عورات باطنه لم يمنعه ذلك من مواساته‏.‏

فإن اضطر طالب الحلال ومريد طيق الآخرة الى أخذ مال غيره فليصرح له وليقل أنك إن كنت تعكيني لما تعتقده في من الدين فلست مستحقاً لذلك ولو كشف اللّه تعالى ستري لم ترني بعين التوقير بل اعتقدت أبي شر الخلق أو من شرارهم فإن أعطاه مع ذلك فليأخذ فإنه ربما يرضى منه هذه الخصلة وهو اعترافه على نفسه بركاكة الدين وعدم استحقاقه لما يأخذه‏.‏

ولكن ههنا مكيدة للنفس بينة ومخادعة فليتفطن لها وهو أنه قد يقول ذلك مظهراً أنه متشبه بالصالحين في ذمهم نفوسهم واستحقارهم لها ونظرهم اليها بعين المقت والإزدراء فتكون صورة القدح والإزدراء وباطنه وروحه هو عين المدح والإطراء فكم من ذام نفسه وهو لها مادح بعين ذمه فذم النفس في الخلوة مع النفس هو المحمود‏.‏

وأما الذم في الملأ فهو عين الرياء إلا إذا أورده إيراد يحصل للمستمع يقيناً بأنه مقترف للذنوب ومعترف بها‏.‏

وذلك مما يمكن تفهيمه بقرائن الأحوال ويمكن تلبيسه بقرائن الأحوال‏.‏

والصادق بينه ويبن اللّه تعالى يعلم أن مخادعته للّه عز وجل أو مخادعته لنفسه محال فلا يتعذر عليه الاحتراز عن أمثال ذلك‏.‏

فهذا هو القول في أقسام السفر ونية المسافر وفضيلته‏.‏

الفصل الثاني في آداب المسافر من أول نهوضه الى آخر رجوعه الأول‏:‏ أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون واعداد النفقة لمن تلزمه نفقته وبرد الودائع إن كانت عنده ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب وليأخذ قدرا يوسع به على رفقائه‏.‏

قال ابن عمر رضي اللّه عنهما من كرم الرجل طيب زاده في سفره‏.‏

ولا بد في السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام وإظهار مكارم الأخلاق في السفر فإنه يخرج خبايا الباطن‏.‏

ومن صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر‏:‏ وقد يصلح في الحضر من لا يصلح في السفر‏.‏

ولذلكقيل‏:‏ إذا أثني على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه فلا تشكوا في صلاحه‏.‏

والسفر من أسباب الضجر ومن أحسن خلقه في الضجر فهو لحسن الخلق وإلا فعند مساعدة الأمور على وفق الغرض قلما يظهر سوء الخلق‏.‏

وقد قيل ثلاثة لا يلامون على الضجر‏:‏ الصائم والمريض والمسافر وتمام حسن خلق المسافر الإحسان الى المكاري ومعاونة الرفقة بكل ممكن والرفق بكل ممنقطع بأن لا يجاوزه إلا بالإعانة بمركوب أو زاد أو توقف لأجله‏.‏

وتمام ذلك مع الرفقاء بمزاح ومطايبة في بعض الأوقات من غير فحش ولا معصية ليكون ذلك شفاء لضجر السفر ومشاقه‏.‏

الثاني‏:‏ أن يختار رفيقاً فلا يخرج وحده فالرفيق ثم الطريق‏.‏

وليكن رفيقه ممن يعينه علىالدين فيذكره إذا نسي ويساعده إذا ذكر فإن الرمء على دين خليله ولا يعرف الرجل إلا برفيقه‏.‏

وقد نهى صلى اللّه عليه وسلم عن أن يسافر الرجل وحدهوقال ‏"‏ الثلاثة نفر ‏"‏ وقال أيضاً ‏"‏ إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم ‏"‏ وكانوا يفعلون ذلك ويقولون‏:‏ هذا أميرنا أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

وليؤمروا أحسنهم أخلاقاً وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم الى الإيثار وطلب الموافقة‏.‏

وإنما يحتاج الى أمير لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح السفر ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا في الكثرة‏.‏

وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد ‏"‏ لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا ‏"‏ ومهما كان المدبر واحد انتظم أمر التدبير‏.‏

وإذاكثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد‏.‏

وأمير خاص كرب الدارزوأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير‏.‏

فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء‏.‏

ثم على الأمير أن لا

ينظر إلا لمصلحة القوم وأن يجعل نفسه وقاية لهم كما نقل عن عبد اللّه المروزي أنه صحبه أبو على الرباطي فقال‏:‏ على أن تكون أنت الأمير أو أنا فقال‏:‏ بل أنت فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد اللّه طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كسا‏.‏

يمنع عنه المطر فكلما قال له عبد اللّه‏:‏ لا تفعل يقول ألم تقل إن الإمارة مسلمة لي فلا تتحكم علي ولا ترجع عن قولك‏:‏ حتى قال أبو علي‏:‏ وددت أني مت ولم أقل له أنت الأمير فهكذا ينبغي أن يكون الأمير‏.‏

وقد قال صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ خير الأصحاب أربعة ‏"‏ وتخصيص الأربعة من بين سائر الأعداد لا بد أن يكون له فائدة والذي ينقدح فيه أن المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج الى حفظه وعن حاجة يحتاج الى التردد فيها ‏"‏ ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد في الحاجة واحد فيبقى في السفر بلا رفيق فلا يخلو عن خطر وعن ضيق قلب لفقد أنس الرفيق ولو تردد في الحاجة اثنان لكان الحافظ للرحل واحدا فلا يخلو أيضاً عن الخطر وعن ضيق الصدر‏.‏

فإذن ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود وما فوق الأربعة يزيد فلا تجمعهم رابطة واحدة فلا ينعقد بينهم الترافق لأن الخامس زيادة بعد الحاجة ومن يستغني عنه لا تنصرف الهمة اليه فلا تتم المرافقة معه‏.‏

نعم في كثرة الرفقاء فائدة للأمن من المخاوف ولكن الأربعة خير للرفاقة الخاصة لا للرفاقة العامة‏.‏

وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرفاق لا يكلم ولا يخالط الى آخر الطريق للاستغناء عنه‏.‏

الثالث‏:‏ أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء‏:‏ وليدع عند الوداع بدعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

قال بعضهم‏:‏ صحبت عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما من مكة الى المدينة حرسها اللّه فلما أردت أن أرافقه شيعني وقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول ‏"‏ قال لقمان أن اللّه تعالى إذا استودع شيئاً حفظه وإني أستودع اللّه دينك وأمانتك وخواتيم عملك ‏"‏ وروى زيد بن أرقم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ‏"‏ إذا أراد أحدكم سفراً فليودع أخوانه فإن اللّه تعالى جاعل له في دعائهم البركة ‏"‏ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا ودع رجلاً قال ‏"‏ زودك اللّه التقوى وغفر ذنبك ووجهك الى الخير حيث توجهت ‏"‏ فهذا دعاء المقيم للمودع‏.‏

وقال موسى بن وردان‏:‏ أتيت أبا هريرة رضي اللّه عنه أودعه لسفر أردته فقال ألا أعلمك يا ابن أخي شيئاً علمنيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند الوداع فقلت بلى قال قل ‏"‏ أستودعك اللّه الذي لا تضعيه ودائعه ‏"‏ وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ‏"‏ أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ إني أريد سفراً فأوصني فقال له ‏"‏ في حفظ اللّه وفي كنفه زودك اللّه التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث كنت أو أينما كنت ‏"‏ شك في الراوي‏.‏

وينبغي إذا استودع اللّه تعالى ما يخلفه أن يستودع الجمع ولا يخصص‏.‏

فقد روي أن عمر رضي اللّه عنه كان يعطي الناس عطاياهم إذا جاءه رجل معه ابن له فقال له عمر‏:‏ ما رأيت أشبه بأحد من هذا بك فقال له الرجل‏:‏ أحدثك عنه يا أمير المؤمنين بأمر إني أردت أن أخرج الى سفر وأمه حامل به فقالت‏:‏ تخرج وتدعني على هذه الحالة فقلت‏:‏ أستودع اللّه ما في بطنك فخرجت ثم قدمت فإذا هي قد ماتت ‏"‏ فجلسنا نتحدّث فإذا نار على قبرها فقلت للقوم ما هذه النار فقالوا‏:‏ هذه النار من قبر فلانة نراها كل ليلة فقلت‏:‏ واللّه إنها لكانت صوّامة قوّامة فأخذت المعول حتى انتهينا الى القبر فحفرنا فإذا سراج وإذا هذا الغلام يدب فقيل لي أن هذه وديعتك الرابع‏:‏ أن يصلي قبل سفره صلاة الإستخارة كما وصفناها في كتاب الصلاة‏.‏

ووقت الخروج يصلي لأجل السفر فقد روى أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه

وسلم فقال‏:‏ إني نذرت سفراً وقد كتبت وصيتي فالى أي الثلاثة أدفعها الى ابني أم أخي أم أبي‏:‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ ما استخلف عبد في أهله من خليفة أحب الى اللّه من أربع ركعات يصليهن في بيته إذا شدّ عليه ثياب سفره يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب وقل هو اللّه أحد ثم يقول‏:‏ اللهم إني أتقرب بهن إليك فاخلفني بهن في أهلي ومالي فهي خليفته في أهله وماله وحرز حول داره حتى يرجع الى أهله ‏"‏‏.‏

الخامس‏:‏ إذا حصل على باب الدار فليقل‏:‏ بسم اللّه توكلت علىاللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي فإذا مشى قال‏:‏ اللهم بك انتشرت وعليك توكلت وبك اعتصمت وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي فاكفني ما أهمني وما لم أهتم به وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت‏.‏

وليدع بهذا الدعاء في كل منزل يرحل عنه‏.‏

فإذا ركب الدابة فليقل‏:‏ بسم االلّه وباللّه واللّه أكبر توكلت على اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا لربنا لمنقلبون‏.‏

فإذا استوت الدابة تحته فليقل ‏"‏ الحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ‏"‏ اللهم أنت الحامل على الظهر وأنت المستعان على الأمور‏.‏

السادس‏:‏ أن يرحل عن المنزل بكرة‏.‏

روى جابر‏:‏ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رحل يوم الخميس وهو يريد تبوك وقال ‏"‏ اللهم بارك لأمتي في بكورها ‏"‏ ويستحب أن يبتدئ بالخروج يوم الخميس فقد روى عبد اللّه بن كعب بن مالك عن أبيه قال‏:‏ قلما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخرج الى سفر إلا يوم الخميس‏.‏

وروى أنس‏:‏ أنه صلى اللّه عليه وسلم قال ‏"‏ اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم السبت ‏"‏ وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها أوّل النهار‏.‏

وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم قال ‏"‏ اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها ‏"‏ وقال عبد اللّه بن عباس‏:‏ إذا كان لك الى رجل حاجة فاطلبها منه نهارا ولا تطلبها ليلاً واطلبها بكرة فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول ‏"‏ اللهم بارك لأمتي في بكورها ‏"‏‏.‏

ولا ينبغي أن يسافر بعد طلوع الفجر من يوم الجمعة فيكون عاصياً بترك الجمعة واليوم منسوب اليها - فكان أوله من أسباب وجوبها‏.‏

والتشييع للوداع مستحب وهو سنة قال صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ لأن أشيع مجاهداً في سبيل اللّه فأكتنفه على رحله غدو أو روحه أحب الى الدنيا وما فيها ‏"‏‏.‏

السابع‏:‏ أن لا ينزل حتى يحمى النهار فهي السنة ويكون أكثر سيره بالليل‏.‏

قال اللّه عليه وسلم ‏"‏ غليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لاتطوي بالنهار ‏"‏ ومهما أشرف على المنزل فليقل‏:‏ اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وماذرين ورب البحار وما جرين أسألك خير هذا المنزل وخير أهله وأعوذ بك من شر هذا المنزل وشر ما فيه أصرف عني شر شرارهم‏.‏

فإذا نزل المنزل فليصل فيه ركعتين ثم ليقل‏:‏ اللهم إني أعوذ بكلمات اللّه التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق‏.‏

فإذا جن الليل فليقل‏:‏ يا أرض ربي وربك اللّه أعوذ باللّه من شرك ومن شر ما فيك وشر ما دب عليك أعوذ باللّه من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن ساكني البلد ووالد وما ولد ‏"‏ وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ‏"‏ ومهما علا شرفاً من الأرض في وقت السير فينبغي أن يقول‏:‏ اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال ومهما هبط سبح ومهمنا خاف الوحشة في سفره قال‏:‏ سبحان الملك القدّوس رب الملائكة والروح جللت السموات بالعزة والجبروت‏.‏

الثامن‏:‏ أن يحتاط بالنهار فلا يمشي منفرداً خارج القافلة - لأنه ربما يغتال أو ينقطع - ويكون بالليل متحفظاً عند النوم‏.‏

كان صلى اللّه عليه وسلم إذا نام في ابتداء الليل في السفر افترش ذراعيه وإن نام في آخر الليل نصب ذراعيه نصباً وجعل رأسه في كفه‏.‏

والغرض من ذلك أن لا يستثقل في النوم فتطلع الشمس وهو نائم لا يدري فيكون ما يفوته من الصلاة أفضل مما يطلبه بسفره‏.‏

والمستحب بالليل أن يتناوب الرفقاء في الحراسة فإذا نام واحد حرس آخرفهذه السنة‏.‏

ومهما قصده عدوّ أو سبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي وشهد اللّه وسور الإخلاص

والمعوّذتين‏.‏

وليقل‏:‏ بسم اللّه ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه حسبي اللّه توكلت على اللّه ما شاء اللّه لا يأتي بالخيرات إلا اللّه ما شاء اللّه لا يصرف السوء إلا اللّه حسبي اللّه وكفى سمع اللّه لمن دعا ليس وراء اللّه منتهى ولا دون اللّه ملجأ ‏"‏ كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوي عزيز ‏"‏ تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي القيوم الذي لا يموت اللّهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بركتك الذي لا يرام اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا اللهم أعطف علنا قلوب عبادك وإمائك برأفة ورحمة إنك أنت أرحم الراحمين‏.‏

التاسع‏:‏ أن يرفق بالدابة إن كان راكباً فلا يحملها مالا تطيق‏.‏

ولا يضر بها في وجهها فإنه منهي عنه ولا ينام عليها فإنه يثقل بالنوم وتتأذى به الدابة كان أهل الورع لا ينامون علىالدواب إلا

غفوة‏:‏ وقال صلى اللّه عليه وسلم لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسيويستحب أن ينزل عن الدابة وكان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل ويوفي الأجرة‏.‏

ثم كان ينزل ليكون بذلك محسناً الى الدابة فيوضع في ميزان حسناته لا في ميزان حسنات المكارى‏.‏

ومن آذى بهيمة بضرب أو حمل مالا تطيق طولب به يوم القيامة إذ في كل كبد حراء أجر‏.‏

قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه لبعير له عند الموت‏:‏ أيها البعير لا تخاصمني الى ربك فإني لم أك أحملك فوق طاقتك‏.‏

وفي النزول ساعة صدقتان إحداهما‏:‏ ترويح الدابة‏:‏ والثانية‏:‏ إدخال السرور على قلب المكاري‏.‏

وفيه فائدة أخرى وهي رياضة البدن وتحريك الرجلين‏.‏

والحذر من خدر الأعضاء بطول الركوب‏.‏

وينبغي أن يقرّر مع المكاري ما يحمله عليها شيئاً شيئاً ويعرضه عليه ويستأجر الدابة بعقد صحيح لئلا يثور بينهما نزاع يؤذي القلب ويحمل على الزيادة في الكلام فما يلفظ العبد من قول إلا لديه رقيب عتيد‏.‏

فليحترز عن كثرة الكلام واللجاج مع المكارى فلا ينبغي أن يحمل فوق المشروط شيئاً وإن خف‏.‏

فإن القليل يجر الكثير ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه‏.‏

قال رجل لابن المبارك وهو على دابة‏:‏ احمل لى هذه الرقعة الى فلان‏.‏

فقال‏:‏ حتى استأذن المكارى فإني لم أشارطه على هذه الرقعة‏.‏

فانظر كيف لم يلتفت الى قول الفقهاء إن هذا مما يتسامح فيه ولكن سلك طريق الورع العاشر‏:‏ ينبغي أن يستصحب ستة أشياء‏.‏

قالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سافر حمل معه خمسة أشياء‏.‏

المرآة والمكحلة والمقراض والسواك والمشط ‏"‏ وفي رواية أخرى عنها ستة اشياء المرآة والقراورة والمقراض والسواك والمكحلة والمشط‏.‏

وقالت أم سعد الأنصارية‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يفارقه في السفر المآة والمكحلة وقال صهيب قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليكم بالإثمد عند مضجعكم فإنه مما يزيد في البصر وينبت الشعر ‏"‏ وروي أنه كان يكتحل ثلاثاً ثلاثا وفي رواية‏:‏ أنه اكتحل لليمنى ثلاثاً ولليسرى اثنتينوقد زاد الصوفية الركوة والحبل‏.‏

وقال بعض الصوفية‏:‏ إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل على نقصان دينه‏.‏

وإنما زادوا هذا لما رأوه من الإحتياط في طهارة الماء وغسل الثياب فالركوة لحفظ الماء الطاهر والحبل لتجفيف الثوب المغسول ولنزع الماء من الآبار‏.‏

وكان الأوّلون يكتفون

بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء‏.‏

ولا يبالون بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها مالم يتيقنوا نجاستها حتى توضأ عمر رضي اللّه عنه من ماء في جرة نصرانية‏.‏

وكانوا يكتفون بالأرض والجبال عن الحبل فيفرشون الثياب المغسولة عليها‏.‏

فهذه بدعة حسنة وإنما البدعة المذمومة ما

تضاد السنن الثابتة وأما ما يعين إلى الإحتياط في الدين فمستحسن‏.‏

وقد ذكرنا أحكام المبالغة في الطهارات في كتاب الطهارة‏.‏

وأن المتجرد لأمر الدين لا ينبغي أن يؤثر طريق الرخصة بل يحتاط في الطهارة ما لم يمنعه ذلك عن عمل أفضل منه‏.‏

وقيل كان الخواص من المتوكلين وكان لا يفارقه أربعة أشياء في السفر والحضر‏:‏ الركوة والحبل الحادي عشر‏:‏ في آداب الرجوع من السفر‏:‏ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة أو غيره يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول ‏"‏ لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق اللّه وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ‏"‏ وإذا أشرف على مدينته فليقل‏:‏ اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقاً حسناً‏.‏

ثم ليرسل الى أهله من يبشرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه ولا ينبغي أن يطرقهم ليلاًفقد ورد النهي عنه‏.‏

وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا قدم دخل المسجد أولاً وصلى ركعتين ثم دخل البيتوإذا دخل قالطتوبا توبا لربنا أوبا أوبا لا يغادر علينا حوبا ‏"‏‏.‏

وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه فهو سنة‏.‏

فقد روي‏:‏ أنه إن لم يجد شيئاً فليضع في مخلاته حجراًوكأن هذا مبالغة في الإستحثاث على هذه المكرمة لأن الأعين تمتدّ الى القادم من السفر والقلوب تفرح به فيتأكد الإستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار التفات القلب في السفر الى ذكرهم بما يستصحبه في الطريق لهم فهذه جملة من الآداب الظاهرة‏.‏

وأما الآداب الباطنة‏:‏ ففي الفصل الأول بيان جملة منها‏.‏

وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة دينه في السفر‏.‏

ومهما وجد قلبه متغيراً الى نقصان فيقف ولينصرف ولا ينبغي أن يجاوز همه منزله بل ينزل حيث ينزل قلبه وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها ويجتهد أن يستفيد من كل واحد منهم أدباً أو كلمة لينتفع بها لا ليحكي ذلك ويظهر أنه لقى المشايخ‏.‏

ولا يقيم ببلدة أكثر من أسبوع أو عشرة أيام إلا أن يأمره الشيخ المقصود بذلك‏.‏

ولا يجالس في مدّة الإقامة إلا الفقراء الصادقين‏.‏

وإن كان قصده زيلرة أخ فلا يزيد على ثلاثة أيام فهو حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته‏.‏

وإذا قصد زيارة شيخ فلا يقيم عنده أكثرة من يوم وليلة‏.‏

ولا يشغل نفسه بالعشرة فإن ذلك يقطع بركة سفره‏.‏

وكلما دخل بلداً لا يشتغل بشئ سوى زيارة الشيحخ بزيارة منزله فإن كان في بيته فلا يدق عليه بابهولا يستأذن عليه إلا أن يخرج فإذا خرج تقدم إليه بأدب فسلم عليه ولا يتكلم بين يديه إلا أن يسأله فإن سأله أجاب بقدر السؤال ولا يسأله عن مسألة مالم يستأذن أولاً‏.‏

وإذا كان في السفر فلا يكثر ذكر أطعمة البلدان وأسخيائها ولا ذكر أصدقائه فيها وليذكر مشايخها وفقراءها‏.‏

ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين بل يتفقدها في كل قرية وبلدة‏.‏

ولا يظهر حاجته إلا بقدر الضرورة ومع من يقدر على إزالتها‏.‏

ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرآن بحيث لا يسمع غيره‏.‏

وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر ولجبه مادام يحدثه ثم ليرجع الى ما كان عليه‏.‏

فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فاليخالفها فالبركة في مخالفة النفس‏.‏

وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرماً بالخدمة فذلك كفران نعمة‏.‏

ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان عليه في الحضر فليعلم أن سفره معلول وليرجع إذ لو كان لحق لظهر أثره‏.‏

قال رجل لأبي عثمان المغربي‏:‏ خرج فلان مسافراً فقال‏:‏ السفر غربة والغربة ذلة وليس للمؤمن أنن يذل نفسه وأشار به الى أنّ من ليس له في السفر زيادة دين فقد أذل نفسه وإلا فعز الدين لا ينال إلا بذلة الغربة‏.‏

فليكن سفر المريد من وطن هواه ومراده وطبعه حتى يعز في هذه

الغربة ولا يذل فإن من اتبع هواه في سفره ذل لا محالة إما عاجلاً وإما آجلاً‏.‏

الباب الثاني فيما لابد للمسافر من تعلمه من رخص السفر وأدلة القبلة والأوقات

اعلم أن المسافر يحتاج في أوّل سفره الى أن يتزوّد لدنياه ولآخرته‏.‏

أم زاد الدنيا‏:‏ فالطعام والشراب وما يحتاج إليه من نفقة‏.‏

فإن خرج متوكلاً من غير زاد فلا بأس به إذا كان سفره في قافلة أو بين قرى متصلة‏.‏

وإن ركب البادية وحده أو مع قوم لا طعام معهم ولا شراب فإن كان ممن يصبر على الجوع - أسبوعاً أو عشراً مثلاً - أو يقدر على أن يكتفي بالحشيش فله ذلك‏.‏

وإن لم يكن له قوّة الصبر على الجوع ولا القدرة على الإجتزاء بالحشيش فخروجه من غير زاد معصية فإنه ألقى نفسه بيده الى التهلكة ولهذا سر سيأتي في كتاب التوكل‏.‏

وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية ولو كان كذلك لبطل التوكل بطلب الدلو والحبل ونزع الماء من البئر ولوجب أن يصبر يسخر اللّه له ملكاً أو شخصاً آخر حتى يصب الماء في فيه‏.‏

فإن كان حفظ الدلو والحبل لا يقدح فيه‏.‏

وستأتي حقيقة التوكل في موضعها فإنه وأما ذاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته وعبادته فلا بد وأن يتزود منه إذ السفر تارة يخفف عنه أموراً فيحتاج الى معرفة القدر الذي يخففه السفر كالقصر والجمع والفطر وتارة يشدد عليه أموراً كان مستغنياً عنها في الحضر كالعلم بالقبلة وأوقات الصلوات فإنه في البلد يكتفي بغيره من محاريب وأذان المؤذنين وفي السفر قد يحتاج الى أن يتعرّف بنفسه‏.‏

فإذن ما يفتقر الى تعلمه ينقسم الى قسمين‏:‏ القسم الأول العلم برخص السفر والسفر يفيد في الطهارة رخصتين‏:‏ مسح الخفين والتيمم وفي صلاة الفرض رخصتين‏:‏ القصر والجمع وفي النفل رخصتين‏:‏ أداؤه على الراحلة وأداؤه ماشياً وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر‏.‏

فهذه سبع رخص‏.‏

الرخصة الأولى‏:‏ المسح على الخفين قال صفوان بن عسال أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفر أن لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنفكل من لبس الخف على طهارة مبيحة للصلاة ثم أحدث فله أن يمسح على خفه من وقت حدثه ثلاثة أيام ولياليهن إن كان الأول‏:‏ أن يكون اللبس بعد كمال الطهارة فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها في الخف ثم غسل اليسرى فأدخلها في الخف لم يجز له المسح عند الشافعي رحمه اللّه حتى ينزع اليمنى ويعيد لبسه ‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون الخف قوياً يمكن المشي فيه ويجوز المسح على الخف وإن لم يكن منعلاً إذ العادة جارية بالتردد فيه في المنازل لأن فيه قوة على الجملة بخلاف جورب الصوفية فإنه لايجوز المسح عليه وكذا الجرموق الضعيف‏.‏

الثالث‏:‏ أن لايكون في موضع فرض الغسل خرق فإن تخرق بحيث انكشف محل الفرض لم يجز المسح عليه‏.‏

وللشافعي قول قديم إنه يجوز مادام يستمسك على الرجل وهو مذهب مالك رضي اللّه عنه‏.‏

ولابأس به لمسيس الحاجة إليهوتعذر الخرز في السفر في كل وقت‏.‏

والمداس المنسوج يجوز المسح عليه مهما كان ساتراً لاتبدو بشرة القدم من خلاله وكذا المشقوق الذي يرد على محل الشق بشرج لأن الحاجة تمس الى جميع ذلك فلا يعتبر إلا أن يكون ساتراً الى مافوق الكعبين كيفما كان‏.‏

فأما إذا ستر بعض ظهر القدم وستر الباقي باللفافة لم يجز المسح عليه‏.‏

الرابع‏:‏ أن لاينزع الخف بعد المسح عليه فإن نزع فالأولى له استئناف الوضوء فإن اقتصر على غسل القدمين جاز‏.‏

الخامس‏:‏ أن يمسح على الموضع المحاذي لمحل فرض الغسل لا على الساق وأقله ما يسمى مسحاً على ظهر القدممن الخف‏.‏

وإذا مسح بثلاث أصابع أجزأه والأولى أن يخرج من شبهة الخلاف وأكمله أن يمسح أعلاه وأسفله دفعة واحدة من غير تكراركذلك فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

ووصفه‏:‏ أن يبل اليدين ويضع رؤوس أصابع اليمنى من يده على رؤوس أصابع اليمنى من رجله ويمسحه بأن يجر أصابعه الى جهة نفسه ويضع رؤوس أصابع يده اليسرى على عقبه من أسفل الخف ويمرها الى رأس القدم‏.‏

ومهما مسح مقيماً ثم سافر اأو مسافراً ثم أقام غلب حكم الإقامة فليقتصر على يوم وليلة‏.‏

وعدد الأيام الثلاثة محسوب من وقت حدثه بعد المسح على الخف فلو لبس الخف في الحضر ومسح في الحضر ثم خرج وأحدث في السفر وقت الزوال مثلاً مسح ثلاثة أيام ولياليهنمن وقت الزوال الى الزوال من اليوم الرابع فإذا زالت الشمس من اليوم الرابع لم يكن له أن يصلي إلا بعد غسل الرجلين فيغسل رجليه ويعيد لبس الخف ويراعي وقت الحدث‏.‏

ولو أحدث بعد لبس الخف في الحضر ثم خرج بعد الحدث فله أن يمسح ثلاثة أيام لأن العادة قد تقتضي اللبس قبل الخروج ثم لا يمكن الاحتراز من الحدث‏.‏

فأما إذا مسح في الحضر ثم سافر اقتصر على مدة المقيمين‏.‏

ويستحب لكل من يريد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس وينفض ما فيه حذراً من حية أو عقرب أو شوكة‏.‏

فقد روي عن أبي أمامة أنه قال‏:‏ دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخفيه فلبس أحدهما فجاء غراب فاحتمل الآخر ثم رمى به فخرجت منه حية فقال صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما ‏"‏‏.‏

الرخصة الثانية‏:‏ التيمم بالتراب بدلاً من الماء عند العذر إنما يتعذر الماء بأن يكون بعيداً عن المنزل لو مشى إليه لم يلحقه غوث القافلة إن صاح أو استغاث وهو البعد الذي لا يعتاده أهل المنزل - في تردادهم لقضاء الحاجة - التردد إليه‏.‏

وكذا إن نزل على الماء عدوّ أو سبع فيجوز التيمم وإن كان الماء قريباً‏.‏

وكذا إن احتاج إليه لعطشه في يومه لفقد الماء بين يديه فله التيمم‏.‏

وكذا إن احتاج إليه لعطش أحد رفقائه فلا يجوز له الوضوء ويلزمه بذله إما بثمن أو بغير ثمن ولو كان يحتاج إليه لطبخ مرقة أو لحم أو لبل فتيت يجمعه به لم يجز له التيمم بل عليه أن يجتزي بالفتيت اليابس ويترك تناول المرقة‏.‏

ومهما وهب له الماء وجب قبوله وإن وهب له ثمنه لم يجب قبوله لما فيه من المنة‏.‏

وإن بيع بثمن المثل لزمه الشراء وإن بيع بغبن لم يلزمه‏.‏

فإذا لم يكن معه ماء وأراد أن يتيمم فأول ما يلزمه طلب الماء مهما جوّز الوصول إليه بالطلب وذلك بالتردد حوالي المنزل وتفتيش الرحل وطلب البقايا من الأواني والمطاهر‏.‏

فإن نسي الماء في رحله أو نسي بئراً بالقرب منه لزمه إعادة الصلاة لتقصيره في الطلب‏.‏

وإن علم أنه سيجد الماء في آخر الوقت تيمم ابن عمر رضي اللّه عنهما فقيل له‏:‏ أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك فقال‏:‏ أو أبقى الى أن أدخلها ومهما وجد الماء بعد الشروع في الصلاة لم تبطل صلاته ولم يلزمه الوضوء‏.‏

وإذا وجده قبل الشروع في الصلاة لزمه الوضوء‏.‏

ومهما طلب فلم يجد فليقصد صعيداً طيباً عليه تراب يثور منه غبار وليضرب عليه كفيه بعد ضم أصابعهما ضربة فيمسح بها وجهه ويضرب ضربة أخرى - بعد نزع الخاتم - ويفرج الأصابع ويمسح بها يديه الى مرفقيه فإن لم يستوعب بضربة واحدة جميع يديه ضرب ضربة أخرى وكيفية التلطف فيه ما ذكرناها في كتاب الطهارة فلا نعيده‏.‏

ثم اذا صلى به فريضة واحدة فله ان يتنفل ماشاء بذلك التيمم‏.‏

وان اراد الجمع بين فريضتين فعليهان يعيد التيمم للصلاة ثانية فلا يصلى فريضتين الا بتيممين‏.‏

ولاينبغى ان يتيمم لصلاة قبل دخول وقتها فإن فعل وجب عليه اعادة التيمم‏.‏

ولينوعند مسح الوجه‏:‏ استباحة الصلاة‏.‏

ولووجد

من الماء مايكفيه لبعض طهارته فيستعمله ثم ليتيمم بعده تيمما تاما‏.‏

الرخصة الثالثة‏:‏ في الصلاة المفروضة القصر‏:‏ وله أن يقتصر في كل واحدة من الظهروالعصر والعشاء علىركعتينولكن بشوط ثلاثة‏:‏ ‏"‏ الاول ‏"‏ أن يوديهافي أوقاتها فلو صارت قضاء فلاظهر لزوم الاتمام ‏"‏ الثاني ‏"‏ أى ينوي القصر فلو نوى الإتمام لزمه الإتمام ولو شك في أنه نوى القصر أو الإتمام لزمه الإتمام ‏"‏ الثالث ‏"‏ أي لايقتدي بمقيم ولابمسافرمتم فإن فعل لزمه الإتمام بل إن شك في ان إمامه مقيم أو مسافر لزمه الإتمام وان تيقن بعده أنه مسافرلان شعار المسافر لاتخفى فليكن متحققا عند النية وان شك في أن إمامه هل نوى للقصر أم لابعد أن عرف أنه مسافر لم يضره ذلك لان النيات لايطلع عليها‏.‏

وهذا كله إذا كان في سفر طويل مباح‏.‏

وحد السفر من جهة البداية والنهاية فيه إشكال فلا بد من معرفته‏.‏

والسفرهو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم فالهائموراكب التعاسيف ليس له الترخيص وهو الذى لايقصد موضعا معينا ولايصير مسافرا مالم يفارق عمران البلد ولايشترط أن يجاوز خراب البلد وبساتينها التى يخرج أهل البلدة إليها للتنزه‏.‏

وأما القرية فالمسافر منها ينبغي أن يجاوز البساتين المحوطة دون التى ليست بمحوطة‏.‏

ولو رجع المسافر إلى البلد لأخذ شىء نسيه لم يترخص إن كان ذلك وطنه ما لم يجاوز

العمران وإن لم يكن ذلك هو الوطن فله الترخص إذ صار مسافرا بالانزعاج والخروج منه‏.‏

وأما نهاية السفر فباخذ أمور ثلاثة‏:‏ ‏"‏ الاول ‏"‏ الوصول إلى العمران من البلد الذى عم على الإقامة به‏.‏

‏"‏ الثاني ‏"‏ العزم على الإقامة ثلاثة أيام فصاعدا إمافى بلد أوفى صحراء‏.‏

‏"‏ الثالث ‏"‏ صورة الاقامة وأن لم يعزم كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده وإن لم يعزم على الإقامة وكان له شغل وهو يتوقع كل يوم إنجازه ولكنه يتعوق عليه ويتاخر فله أن يترخص وإن طالت المدة - علىأفيس القولين - لأنه منزعج بلقبه ومسافر عن الوطن بصورته ولامبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ولافرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ولابين أن تطول المدة أوتقصر ولابين أن يتأخر الخروج لمطر لايعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره إذ ترخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصر فى بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد‏.‏

وظاهر الأمر أنه لو تمادى القتال لتمادى ترخصه إذ لامعنى للتقدير بثمانية عشر يوما‏.‏

والظاهر أن قصره كان لكونه مسافرا لالكون غازيا مقاتلا هذا معنى القصر‏.‏

وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين‏:‏ كل مرحلة ثمانية فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف خطوة وكل خطوة ثلاثة أقدام‏.‏

ومعنى المباح أن لايكون عاقا لوالديه هاربا منهما ولاهاربا من مالكه ولاتكون المرأة هاربة من زوجها ولا أن يكون من عليه الدين هاربا من المستحق مع اليسار ولايكون متوجها في قطع طريق أو قتل إو قتل إنسان أو طلب إدرار حرام من سلطان ظالم أو سعى بالفساد بين المسلمين‏.‏

وبالجملة فلا يسافر الإنسان إلا فى غرض والغرض هو المحرك‏.‏

فإن كان تحصيل ذلك الغرض حراما ولولا ذلك الغرض لكان لاينبعث لسفره فسفره معصية ولايجوزفيه الترخص‏.‏

واما الفسق في السفر بشرب الخمر وغيره فلا يمنع الرخصة‏.‏

بل كل سفر ينهى الشرع عنه فلا يعين عليه بالرخصة و لو كان له باعثان أحدهما مباح والاخر محظور وكان بحيث لم يكن الباعث له المحظور لكان المباح مستقبلا بتحريكه ولكان لامحالة يسافرلأجله فله الترخص‏.‏

والمتصوقة الطوافون في البلاد من غير غرض صحيح سوى التفرج لمشاهدة البقاع المختلفة في ترخصهم خلاف والمختار أن لهم الترخص‏.‏

الرخصة الرابعة الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما وبين المغرب والعشاء في وقتيهما فذلك أيضا جائز في كل سفر طويل مباح وفي جوازه في السفر القصير قولان‏.‏

ثم إن قدم العصر إلى الظهر فلينوالجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما قبل الفراغ من الظهر وليؤذن للظهر وليقيم وعند الفراغ يقيم للعصر ويجدد التيمم أؤ لا ان كان فرضه التيمم ولايفرق بينهما بأكثر تيمم واقامة فان قدم العصر لم يجز وان نوى الجمع عند التحرم بصلاة العصر جاز عند المزنى وله وجه فى القياس إذلا مستند لايجاب تقديم النية بل الشرع جوز الجمع وهذا جمع وإنما الرخصة فى العصر فتكفى النية فيها وأما الظهر فجاز على القانون‏.‏

ثم إذا فرغ من الصلاتين فينبغي أن يجمع بين سنن الصلاتين أما العصر فلا سنة بعدها ولكن السنة التى بعد الظهر يصليها بعد الفراغ من العصر إما راكبا أومقيما لأنه لو صلى راتبة الظهر قبل العصر لانقطعت الموالاة وهي واجبة - على وجه - ولو أراد أن يقيم الأربع المسنونة قبل الظهر والأربع المسنونة قبل العصر فليجمع بينهن قبل الفريضتين فيصلى سنة الظهر أولا ثم سنة العصر ثم فريضة الظهر ثم فريضة العصر ثم سنة الظهر الركعتان اللتان هما بعد الفرض‏:‏ ولاينبغى أن يهمل النوافل فى السفر فما يفوته من ثوابها أكثر مما يناله من الربح لاسيماوقد خفف الشرع عليه وجوز له أداءها على الراحلة كى لايتعوق عن الرفقة بسببها‏.‏

وإن أخر الظهر إلى العصر فيجري على هذا الترتيب ولايبالي بوقوع راتبة الظهر بعد العصر فى الوقت المكروه لأن ماله سبب لايكره فى هذا الوقت وكذلك يفعل في المغرب والعشاء والوتر‏.‏

وإذا قدم أوأخر فبعد الفراغ من الفرض يشتغل بجميع الرواتب ويختم الجميع بالوتر‏.‏

وإن خطر له ذكر الظهر قبل خروج وقته فليغرم على أدائه مع العصر جميعا فهو نية الجمع لأنه إنما يخلو عن هذه النية إمابنية الترك أو بنية التأخر عن وقت العصر وذلك حرام والعزم عليه حرام‏.‏

وإن لم يتذكر الظهر حتى خرج وقته إما لنوم أو لشغل فله أن يؤدى الظهر مع العصر ولايكون عاصيا لأن السفر كما يشغل عن فعل الصلاة فقد يشغل عن ذكرها‏.‏

ويحتمل أن يقال إن الظهر إنما تقع أداء إذا عزم على فعلها قبل خروج وقتها ولكن الأظهر أن وقت الظهر والعصر صار مشتركا فى السفر بين الصلاتين ولذلك يجب على الحائض قضاء الظهر إذا طهرت قبل الغروب‏.‏

ولذلك ينقدح أن لاتشترط الموالاة ولا الترتيب بين الظهر والعصر عند تأخير الظهر أما إذا قدم العصر على الظهر لم يجز لأن مابعد الفراغ من الظهر هو الذى جعل وقتا للعصر إذ يبعد أن يشتغل بالعصر من هوعازم على ترك الظهر أو على تأخيره‏.‏

وعذر المطرمجوز للجمع كعذر السفر‏.‏

وترك الجمعة أيضا من رخص السفر وهي متعلقة أيضا بفرائض الصلوات‏.‏

ولو نوى الإقامة بعد أن صلى العصر فأدرك وقت العصر في الحضر فعليه أداء العصر وما مضى إنما كان مجزئا بشرط أن يبقى العذر إلى خروج وقت العصر‏.‏

الرخصة الخامسة‏:‏ التنفل راكبا كان رسول الله يصلي على راحلته إينما توجهت به دابته وأوتررسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته‏.‏

وليس على المتنفل الراكب في الركوع والسجود إلا الايماء‏.‏

وينبغي أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه الانحناء إلى حد يتعرض به لخطر بسبب الدابة‏.‏

فإن كان في مرقد فليتم الركوع والسجود فإنه قادر عليه‏.‏

وأما استقبال القبلة فلا يجب لا في إبتداء الصلاة ولا في دوامها‏.‏

ولكن صوب الطريق بدل عن القبلة‏.‏

فليكن في جميع صلاته إما مستقبلا للقبلة أو متوجها في صوب الطريق لنكون له جهة يثنت فيها فلو حرف دابته عن الطريق قصدا بطلت صلاته وإن طال ففيه خلاف إن جمحت به الدابة فانحرفت لم تبطل صلاته - لأن ذلك مما يكثر وقوعه - وليس عليه سجود سهو إذ الجماح غير منسوب إليه بخلاف مالو حرف ناسيا فإنه يسجد للسهو بالايماء‏.‏

الرخصة السادسة‏:‏ التنفل للماشى جائز في السفر ويوميء بالركوع والسجود ولا يقعد للتشهد لأن ذللك يبطل فائدة الرخصة وحكمة حكم الراكب لكن ينبغي ان يتحرم بالصلاة مستقبلا للقبلة لآن اللآنحراف في لحظة لا عسر عليه فيه بخلاف الراكب فان في تحريف الدابة وان كان العنان بيد نوع عسر وربما تكثر الصلاة فيطول عليه ذلك‏.‏

ولاينبغي أن يمشى في نجاسة رطبة عمدا فإن فعل بطلت صلاته بخلاف ما لو وطئت دابة الراكب نجاسة‏.‏

وليس عليه أن يشوش المشي على نفسه با لاحتزاز من النجاسات التي لا تخلو الطريق عنها غالبا‏.‏

وكل هارب من عدو أوسيل أوسبع فله أن يصلي الفرضة راكبا أو ماشيا كما ذكرناه في التنفل‏.‏

الرخصة السابعة‏:‏ الفطر وهو في الصوم‏.‏

فللمسافر أن يفطرإلا إذا أصبح مقيما ثم سافر فعليه إتمام ذلك اليوم‏.‏

وإن أصبح مسافرا صائما ثم أقام فعليه الإتمام‏.‏

وإن أقام مفطر فليس عليه الإمساك بقية النهار‏.‏

وإن أصبح مسافرا على عزم الصوم لم يلزمه بل له أن يفطر إذا أراد والصوم أفضل من الفطر‏.‏

والقصر أفضل من الإتمام للخروج عن شبهة الخلاف ولأنه ليس فى عهدة القضاء بخلاف المفطر فإنه في عهدة القضاء وربما يتعذر عليه ذلك بعائق فيبقى في

ذمته إلا إذا كان الصوم يضر به فالإفطار أفضل‏.‏

فهذه سبع رخص تتعلق ثلاث منها بالسفر الطويل وهى القصر والفطر والمسح ثلاثة أيام‏.‏

وتتعلق

اثنتان منها بالسفر طويلا كان أو قصيرا وهما سقوط الجمعة وسقوط القضاء عند أداء الصلاة بالتيمم‏.‏

وأما صلاة النافلة ماشيا وراكبا ففيه خلاف والأصح جوازه في القصير‏.‏

والجمع بين الصلاتين فيه خلاف والأظهر اختصاصه بالطويل‏.‏

وأما صلاة الفرض راكبا وماشيا للخوف فلا تتعلق بالسفر وكذا أكل الميتة وكذا أداء الصلاة في الحال بالتيمم عند فقد الماء بل يشترك فيها الحضر والسفر مهما وجدت أسبابها‏.‏

فإن قلت فالعلم بهذه الرخص هل يجب على المسافر تعلمه قبل السفر أم يستحب له ذلك فإعلم أنه إن كان عازماً على ترك المسح والقصر والجمع والفطر وترك التنفل راكباً وماشياً لم يلزمه علم شروط الترخص في ذلك لآن الترخص ليس بواجب عليه‏.‏

وأما علم رخصبة التيمم فيلزمه لآن فقد الماء ليس إليه إلا أن يسافر على شاطئ نهر يوثق ببقاء مائه أو يكون معه في الطريق عالم يقدر على استفتائه عن الحاجة فله أن يؤخر إلى وقت الحاجة‏.‏

إما إذا كان يظن عدم الماء ولم يكن معه فيلزمه التعلم لامحالة‏.‏

فإن قلت‏:‏ التيمم يحتاج إليه الصلاة لم يدخل بعد وقتها فكيف يجب علم الطهارة بعد لم تجب وربما لا تجب فأقول‏:‏ من بينه وبين الكعبة مسافة لاتقطع إلا في سنة فيلزمه قبل أشهر الحج إبتداء السفر‏.‏

ويلزمه تعلم المناسك لامحال إذا كان يظن أنه لايجد في الطريق من يتعلم منه لأن الأصل الحياة واستمرارها‏.‏

ومالايتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب‏.‏

وكل مايتوقع وجوبه توقعا ظاهرا على الظن وله شرط لايتوصل إليه إلا بتقديم ذلك الشرط على وقت الوجوب فيجب تقديم تعلم الشرط لامحالة كعلم المناسك قبل وقت الحج وقبل مباشرته‏.‏

فلا يحل إذن للمسافر أن ينشئ السفر مالم يتعلم هذا القدر من علم التيمم‏.‏

وإن كان عازما على سائر الرخص فعليه أن يتعلم أيضا القدر الذي ذكرناه من علم التيمم وسائر الرخص فإنه إذا لم يعلم القدر الجائز لرخصة السفر لم يمكنه الاقتصار عليه‏.‏

فإن قلت‏:‏ إنه إن لم يتعلم كيفية التنفل راكباً وماشياًماذا يضره وغايته إن صلى أن تكون صلاته فاسدة وهي غير واجبة فكيف يكون علمها واجباً فأقول‏:‏ من الواجب أن لا يصلى النفل على نعت الفساد فالتنفل مع الحدث والنجاسة وإلى غير القبلة ومن غير إتمام شروط الصلاة وأركانهاحرام فعليه أن يتعلم مايحترز به عن النافلة الفاسدة حذراً عن الوقوع في المحظورات‏.‏

فهذا بيان علم ما خفف عن المسافر في سفره‏.‏

ما يتجدد من الوظيفة بسبب السفر وهو علم القبلة والأوقات‏:‏ وذلك أيضا واجب في الحضر ولكن في الحضر من يكفيه من محراب متفق عليه يغنيه عن طلب القبلة ومؤذن يراعي الوقت فيغنيه عن طلب علم الوقت‏.‏

والمسافر قد تشتبه عليه القبلة وقد يلتبس عليه الوقت فلا بد له من العلم بأدلة القبلة والمواقيت‏.‏

أما أدلة القبلة فهي ثلاثة أقسام‏:‏ أرضية كلإستدلال بالجبال والقرى والأنهار‏.‏

وهوائية كلإستدلال بالرياح

شمالها وجنوبها وصباها ودبورها‏.‏

وسماوية وهي النجوم‏.‏

فأما الأرضية والهوائية فتختلف باختلاف البلاد فرب طريق فيه جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو ورائه أو قدامه فليعلم ذلك وليفهمه‏.‏

وكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليفهمذلك‏.‏

ولسنا نقدر على استقصاء ذلك إذلكل بلد وإقليم حكم آخر‏.‏

وأما السماوية فأدلتها تنقسم إلى نهارية وإلى ليلية‏.‏

أما النهارية‏:‏ فالشمس فلا بد أن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أينتقع منه أهي بين الحاجبين او على العين اليمنى او اليسرى أو تميل إلى الجبين ميلاً اكثر من ذلك فإن الشمس لاتعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع‏.‏

فإذا حفظ ذلك فمها عرف الزوال بدليله الذي سنذكره عرف القبلة به‏.‏

وكذلك يراعى مواقع الشمسمنه وقت العصر‏.‏

فإنه في هذين الوقتين يحتاج إلىالقبلة بالضرورة‏.‏

وهذا أيضا لما كان يختلف بالبلاد فليس يمكن إستقصاؤه‏.‏

وأما القبلة وقت المغرب فإنها تدرك بموضع الغروب‏.‏

وذلك بأن يحفظ أن الشمستغرب عن يمين المستقبل‏.‏

أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه‏.‏

وبالشفق أيضا تعرف القبلة للعشاء الأخيرة‏.‏

وبمشرق الشمس تعرف القبلة لصلاة الصبح‏.‏

فكأن الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس ولكن يختلف ذلك بالشتاء والصيف‏.‏

فإن المشارق والمغارب كثيرة وإن كانت محصورة في جهتين فلا بد من تعلم ذلك أيضا‏.‏

ولكن قد يصلى المغرب والعشاء بعد غيبوبة الشفق فلا يمكنه أن يستدل على القبلة به‏.‏

فعليه أن يراعي موضع القطب‏.‏

وهو الكوكب الذي يقال له‏:‏ الجدى‏:‏ فإنه كوكب كالثابت لاتظهر حركته عن موضعه وذلك إما أن يكون على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن من ظهره أو مكبه الأيسرفي البلاد الشمالية من مكة‏.‏

وفي البلاد الجنوبية كاليمن وماوالاها فيقع فى مقابلة المستقبل فيتعلم ذلك وماعرفه في بلده فليعول عليه في الطريق كله إلا إذا طال السفر فإن المسافة إذا بعدت اختلف موقع الشمس وموقع القطب وموقع المشارق والمغارب إلا أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلادفينبغي يسأل أهل البصيرة‏.‏

وإن انحرف عن حقيقة محاذاة القبلة ولكن لم يخرج عن جهتها لم يلزمه القضاء‏.‏

وقد أورد الفقهاء خلافا في أن المطلوب جهة الكعبة أو عينها وأشكل معنى ذلك على قوم إذ قالوا‏:‏ إن قلناإن المطلوب العين فمتى يتصور هذا مع بعد الديار وإن قلنا‏:‏ إن المطلوب الجهة فالواقف في المسجد إن استقبل جهة الكعبة وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لاخلاف في أنه لاتصح صلاته‏.‏

وقد طولوا في تأويل معنى الخلاف في الجهة والعين‏.‏

ولابد أولا من فهم معنى مقابلة العين ومقابلة الجهة‏.‏

فمعنى مقابلة العين‏:‏ أن يقف موقفا لو خرج خط مستقيم من بين عينيه إلى جدار الكعبة لاتصل به وحصل من جانبي الخط زاويتان متساويتين ‏"‏ وهذه صورته والخط الخارج من موقف المصلى يقدر أنه خارج من بين عينيه ‏"‏ فهذه صورة مقابلة العين‏:‏ وأما مقابلة الجهة‏.‏

فيجوز فيها أن يتصل طرف الخط الخارجي من بين العينين إلىالكعبة من غير أن يتساوى الزاويتان عن جهتى الخط بل يتساوى الزاويتان إلا إذا انتهى الخط إلى نقطة معينة هي واحدة‏.‏

فلو مد هذا الخط على الاستقامة إلى سائر النقط من يمينها وشمالها كانت إحدى الزاويتين أضيق فيخرج عن مقابلة العين ولكن لايخرج عن مقابلة الجهة - كالخط الذي كتبنا عليه مقابلة الجهة - فإنه لو قدر الكعبة على طرف ذلك الخط لكان الواقف مستقبلا لجهة الكعبة لالعينها‏.‏

وحد تلك الجهة ما يقع بين خطين يتوهمهما الواقف مستقبلا لجهة خارجين من العين فيتلقى طرفاهما في داخل الرأس بين العينين على زاوية قائمة فما يقع بين الخطين الخارجين من العينين فهو داخل في الجهة‏.‏

وسعة مابين الخطين تتزايدبطول الخطين وبالبعد عن الكعبة ‏"‏ وهذه صورته ‏"‏‏:‏ فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول‏:‏ الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب العين إن كانت الكعبة بما يمكن رؤيتها وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها لتعذر رؤيتها فيكفى استقنال الجهة فأما طلب العين عند المشاهدة فمجمع عليه‏.‏

وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذر المعاينة فيدل عليه الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضي الله عنهم والقياس‏.‏

أما الكتاب‏:‏ فقوله تعالى ‏"‏ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ‏"‏ أي نحوه‏.‏

ومن قابل جهة الكعبة يقال قد ولى وجهه شطرها‏.‏

وأما السنة‏:‏ فما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لاهل المدينة ‏"‏ مابين المغرب والمشرق قبلة والمغرب يقع على يمين أهل المدينة والمشرق على يسارهم‏.‏

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع مايقع بينما قبلة ومساحة الكعبة لاتفى بما بين المشرق والمغرب وإنما يفى بذلك جهتها‏.‏

وروى هذا اللفظ أيضا عن عمر وابنه رضى الله عنهما‏.‏

وأما فعل الصحابة رضي الله عنهم‏:‏ فما روى أن مسجد قباء كانو فى صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين الكعبة - لأن المدينة بينهما - فقيل لهم‏:‏ الآن قد حولت القبلة إلى الكعبة‏.‏

فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة ولم ينكر عليهم‏.‏

وسمي مسجد ‏"‏ ذا القبلتين ‏"‏ ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لاتعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ويدل أيضا من فعلهم أنهم بنوا المساجد حوالي مكة وفي سائر بلاد الإسلام ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحاريب ومقابلة العين لاتدرك إلا بدقيق النظر الهندسي‏.‏

وأما القياس‏:‏ فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع أقطار الارض ولايمكن مقابلة العين إلابعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنظر فيها بل ربما يزجر عن التعمق في علمها فكيف ينبنى أمر الشرع عليها فيجب الاكتفاء بالجهة للضرورة‏.‏

وأما دليل صحة الصورة التى صورناها‏:‏ وهو حصر جهات العالم في أربعجهات فقوله عليه السلام فى آداب قضاء الحاجة لاتستقبلوا بها والمغرب على يمينه فنهىعن جهتين ورخص فى جهتين‏.‏

ومجموع ذلك أربع جهات‏.‏

ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ست أو سبع أو عشر‏.‏

وكيفما كان فما حكم الباقي بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقه الإنسان وليس له إلا أربع جهات‏:‏ قدام وخلف ويمين وشمال فكانت الجهات بالإضافة الى الإنسان في ظاهر النظر أربعاً‏.‏

والشرع لايبني إلا على مثل هذه الإعتقادات فظهر أن المطلوب الجهة وذلك يسهل أمر الإجتهاد فيها وتعلم به أداة القبلة‏.‏

فأما مقابلة العين فإنا تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الإستواء ومقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق‏.‏

ثم يعرف ذلك أيضاً في موقف المصلي ثم يقابل أحدهما بالآخر‏.‏

ويحتاج فيه الى آلات وأسباب طويلة والشرع غير مبني عليها قطعاً‏.‏

فإذن القدر الذي لابد من تعلمه من ألة القبلة‏:‏ موقع المشرق والمغرب في الزوال وموقع الشمس وقت العصر‏.‏

فبهذا يسقط الوجوب‏.‏

فإن قلت‏:‏ فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصى فأقول‏:‏ إن كان طريقه على قرى متصلة فيها محاريب أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق بعدالته وبصيرته ويقدر على تقليده فلا يعصى‏.‏

وإن لم يكن معه شئ من ذلك عصى‏.‏

لأنه سيستعرض لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم وغيره‏.‏

فإن تعلم هذه الأدلة عليه الأمربغيم مظلم‏.‏

أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده فعليه أن يصلي في الوقت حسب حاله ثم عليه القضاء سواء أصاب أم أخطأ‏.‏

والأعمى ليس له إلا التقليد فليقلد من يوثق بدينه وبصيرته إن

كان مقلده مجتهداً في القبلة وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل بخيره بذلك في حضر أو سفر وليس للأعمى ولا للجاهل أن يسافر في قافلة ليس فيها من يعرف أدلة القبلة - حيث يحتاج الى الإستدلال - كما ليس للعامي أن يقيم ببلدة ليس فيها فقيه عالم بتفصيل الشرع بل يلزمه الهجرة الى حيث يحد من يعلمه دينه وكذا إن لم يكن في البلد إلا فقيه فاسق فعليه الهجرة أيضاً إذ لايجوز له اعتماد فتوى الفاسق بل العدالة شرط لجواز قبول الفتوى - كما في الرواية - وإن كان معروفاً بالفقه مستور الحال في العدالة والفسق فله القبول مهما لم يجد من له عدالة ظاهرة لأن المسافر في البلاد لايقدر أن يبحث عن عدالة المفتين‏.‏

فإن رآه لابساً للحرير أو ما يغلب عليه الإبرسيم أو راكباً لفرس عليه مركب ذهب فقد ظهر فسقه وامتنع عليه قبول قوله فليطلب غيره‏.‏

وكذلك إذا رآه يأكل على مائدة سلطان أغلب ماله حرام أو يأخذ منه إدراراً أو صلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذ من وجه حلال فكل ذلك فسق يقدح في العدالة ويمنع من قبول الفتوى والرواية والشهادة‏.‏

وأما معرفة أوقات الصلوات الخمس فلا بد منها‏.‏

فوقت الظهر يدخل بالزوال فإن كل شخص لا بد أن يقع له في ابتداء النهار ظل مستطيل في جانب المغرب ثم لايزال ينقص وقت الزوال ثم يأخذه في الزيادة في جهة المشرق ولا يزال يزيد الى الغروب‏.‏

فليقم المسافر في موضع أو لينصب عوداً مستقيماً وليعلم على رأس الظل ثم لينظر بعد ساعة فإن رآه في النقصان فلم يدخل بعد وقت الظهر‏.‏

وطريقه في معرفة ذلك أن ينظر في البلد - وقت آذان المؤذن المعتمد - ظل قامته فإن كان مثلا ثلاثة أقدام بقدمه فمهما صار كذلك في السفر وأخذ في الزيادة صلى‏.‏

فإن زاد عليه ستة أقدام ونصفا بقدمه دخل وقت العصر إذ ظل كل شخص بقدمه ستة أقدام ونصف بالتقريب‏.‏

ثم ظل الزوال يزيد كل يوم إن كان سفره من أوّل الصيف‏.‏

وإن كان من أول الشتاء فينقص كل يوم‏.‏

وأحسن ما يعرف به ظل الزوال الميزان فليستصحبه المسافر‏.‏

وليتعلم اختلاف الظل به في كل وقت‏.‏

وإن عرف موقع الشمس من مستقبل القبلة وقت الزوال وكان في السفر في موضع ظهرت القبلة بدليل آخر فيمكنه أن يعرف الوقت بالشمس بأن تصير بين عينيه مثلاً إن كانت كذلك في البلد‏.‏

وأما وقت المغرب فيدخل في الغروب ولكن تحجب الجبال المغرب عنه فينبغي أن يظهر الى جانب المشرق فمهما ظهر سواد في الأفق مرتفع من الأرض قدر رمح فقد دخل وقت الغروب‏.‏

وأما العشاء فيعرف بغيبوبة الشفق - وهو الحمرة - فإن كانت محجوبة عنه بجبال فيعرفه بظهور الكواكب الصغار وكثرتها فإن ذلك يكون بعد غيبوبة الحمرة‏.‏

وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلاً كذنب السرحان فلا يحكم به الى أن ينقضي زمان‏.‏

ثم يظهر بياض معترض لا يعسر إدراكه بالعين لظهوره فهذا أول الوقت‏.‏

قال صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ ليس الصبح هكذا - وجمع بين كفيه - وإنما الصبح هكذا - ووضع أحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما - ‏"‏ وأشار به الى أته معترض‏.‏

وقد يستدل عليه بالمنازل وذلك تقريب لا تحقيق فيه‏.‏

بل الإعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضاً لأن قوماً ظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل وهذا خطأ لأن ذلك هو الفجر الكاذب‏.‏

والذي ذكره المحققون أنه يتقدم على الشمس بمنزلتين وهذا تقريب ولكن لا اعتماد عليه فإن بعض المنازل تطلع معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها وبعضها منتصبة فيطول زمان طلوعها ويختلف ذلك في البلد اختلافاً يطول ذكره‏.‏

نعم تصلح المنازل لأن يعلم بها قرب وقت الصبح وبعده فأما حقيقة أول الصبح فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلاً‏.‏

وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل الى طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة يتقين أنه الصبح الكاذب وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق ويبقى بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من وقت الصبح الصادق أو الكاذب وهو مبدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه‏.‏

فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور ويقدم القائم الوتر ولا يصلي صلاة الصبح حتى تنقضي مدة الشك فإذا تحقق صلى‏.‏

ولو أراد مريد أن يقدّر على التحقيق وقتاً معيناً يشرب فيه وتسحرا ويقوم عقيبه ويصلي الصبح متصلاً به لم يقدر على ذلك فليس معرفة ذلك في قوة البشر أصلاً بل لابد من مهلة للتوقف والشك‏.‏

ولا اعتماد إلا على العيان ولا اعتماد في العيان إلا على أن يصير الضوء منتشراً في العرض حتى تبدو مبادي الصفرة‏.‏

وقد غلط في هذا جمع من الناس كثير يصلون قبل الوقت‏.‏

ويدل عليه ما روى ابو عيسى الترمذي في جامعه باسناده عن طلق بن علي‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ‏"‏ كلوا واشربوا ولا يهيبنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر ‏"‏ وهذا صريح في رعاية الحمرة‏.‏

قال أبو عيسى - وفي الباب عند عدي بن حاتم وأبي ذرّ وسمرة بن جندب - وهو حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم‏.‏

وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما‏:‏ كلوا واشربوا ما دام الضوء ساطعاً‏.‏

قال صاحب الغريبين‏:‏ أي مستطيلا‏.‏

فإذاً لا ينبغي أن يعوّل إلا ظهور الصفرة وكأنها مبادي الحمرة‏.‏

وإنما يحتاج المسافر الى معرفة الأوقات لأنه قد يبادر بالصلاة قبل الرحيل حتى لا يشق عليه النزول أو قبل النوم حتى يستريح‏.‏

فإن وطن نفسه على تأخير الصلاة الى أن يتيقن فتسمح نفسه بفوات فضيلة أول الوقت ويتجشم كلفة النزول وكلفة تأخير النوم الى التيقن استغنى عن تعلم علم الأوقات‏.‏

فإن المشكل أوائل الأوقات لا أوساطها‏.‏